الشيخ أحمد فريد المزيدي

328

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

الكلام غير أني قصدت الحجة منه في هذا الموضع ؛ فإذا كان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به فكيف تكيف ذلك بكيفيته أو تحده بحد تعلمه ؟ ولو ادعى ذلك مدع لأبطل في دعواه ، لأنّا لا نعلم ذلك كائنا بجهة من الجهات تعلم أو تعرف ، وإنما معنى ذلك أنه يؤيده ويوفقه ويهديه ويشهده ما شاء كيف شاء بإصابة الصواب وموافقة الحق ، وذلك فعل اللّه عزّ وجلّ فيه ومواهبه له ، منسوبة إليه لا إلى الواجد لها ، لأنها لم تكن عنه ولا منه ولا به ، وإنما كانت واقعة عليه من غيره ، وهي لغيرها أولى وبه أحرى ، وكذلك جاز أن تكون بهذه الصفة الخفية ، وهي غير منتسبة به على النحو الذي ذكرناه . قلت : كيف يكون الحضور سبب الفقد والمتعة بالمشاهدة كمال الجهد ، وإنما علم الناس ها هنا أنهم يتمتعون ويجدون بالحضور ، لا يجهدون في ذلك ولا يفقدون ؟ قال : ذلك علم العامة المعروف ، وسبيل وجودهم الموصوف ، فأما أهل الخاصة والخاصة والمختصة ، الذين غربوا لغربة أحوالهم ، فإن حضورهم فقد ، ومتعتهم بالمشاهدة جهر . لأنهم قد محوا عن كل رسم ومعنى يجدونه بهم أو يشهدونه من حيث هم ، بما استولى عليهم فمحاهم ، وعن صفاتهم أفناهم ، حتى قام بهم وقام عنهم بما لهم ، وثبت دواعي ذلك عليهم وفيهم من جنس كماله وتمامه ، فوجدوا النعيم به غيبا بأمتع الوجود على غير سبيل الوجود ، لاستئثار الحق واستيلاء القهر ، فلما فقدت الأرواح النعيم الغيبي الذي لا تحابيه النفوس ، ولا تقاومه الجسوس ، ألفت فناها عنها ووجدت بقاها يمنعه فناها . فإذا أحضرها أنيتها وأوجدها جنسها ، استترت بذلك عما كانت به وكان بها ، فعصت بنفسها وألفت بجنسها ، إذ أفقدها التمام الأول والإكرام الأكمل ، وردت إلى تعلم وتعقل ، فالحسرة فيها مستكنة ، وغصة الفقد بها متصلة في حال حضورها وكائن وجودها ، ولذلك تاقت إلى الشهوة ورجعت إلى الحاجة ، وكيف لا يكلمها إخراجها بعد غيابها وتوقانها بعد امتلائها . فمن هاهنا عرجت نفوس العارفين إلى الأماكن النضرة والمناظر الأنيقة والرياض الخضرة ، وكان ما سوى ذلك عذابا عليها مما تحن إليه من أمرها الأول الذي تشمله الغيوب ويستأثر به المحبوب . ويحك إنه إشارته إلى الصفة إشارة لا يشارك فيها ، ومراده فيها ومنها هو ما استأثر به عليها . فمن كان مستترا أو ذاكرا لها أو مختصا بها ، كان لا ينبغي للمراد بذلك حضور البوادي عليه ولا البواعث منه إليه ، فتأمن صفته عن الفناء بحقيقته ، ذاهبا عن الحضور ما هو به ، اقتدارا من الغالب له القائم به المستولي عليه . حتى إذا أحضر وأشهد ضمن حضوره الاستتار ، وأمحت في شهوده الآثار ، حتى لا يجد السبيل إلى درك